صديق الحسيني القنوجي البخاري

435

فتح البيان في مقاصد القرآن

مني ولا تقربون مجزوما على أن لا ناهية أو على أنها نافية وهو معطوف على محل الجزاء داخل في حكمه كأنه قال فإن لم تأتوني به تحرموا ولا تقربوا ، فلما سمعوا منه ذلك وعدوه بما طلبه منهم . قالُوا سَنُراوِدُ عَنْهُ أَباهُ أي سنطلبه منه ونجتهد في ذلك ، بما نقدر عليه ، وقيل معنى المراودة هنا المخادعة منهم لأبيهم والاحتيال عليه حتى ينتزعون منه وَإِنَّا لَفاعِلُونَ هذه المراودة غير مقصرين فيها ، وقيل معناه وإنا لقادرون على ذلك لا نتعانى به ولا نتعاظمه . وَقالَ يوسف لفتيته أي لغلمانه وأتباعه ، قرأ به أهل المدينة وأبو عمرو وعاصم من رواية شعبة وابن عامر ، واختار هذه القراءة أبو حاتم والنحاس وغيرهما ، وقرأ سائر الكوفيين لِفِتْيانِهِ ، واختار هذه القراءة أبو عبيدة وبه قرأ ابن مسعود ، قال النحاس لفتيانه مخالف للسواد الأعظم ولا يترك السواد المجمع عليه لهذا الإسناد المنقطع . وأيضا فإن فتية أشبه من فتيان لأن فتية عند العرب لأقل العدد ، وأمر القليل بأن يجعلوا البضاعة في الرحال أشبه ، والجملة مستأنفة جواب سؤال كأنه قيل فما قال يوسف عليه السلام بعد وعدهم له بذلك فأجيب بأنه قال لفتيته . قال الزجاج : الفتية والفتيان في هذا الموضع المماليك ، وقال الثعلبي : هما لغتان جيدتان مثل الصبية والصبيان . قال الكرخي : وكلاهما جمع فتى كإخوة وإخوان جمع أخ ، الأول للقلة والثاني للكثرة قال البيضاوي وهم الكيالون . اجْعَلُوا بِضاعَتَهُمْ المراد بالبضاعة هنا هي التي وصلوا بها من بلادهم ليشتروا بها الطعام وكانت نعالا وأدما ، وقال ابن عباس : أوراقا . فِي رِحالِهِمْ وكل لكل رحل واحدا من غلمانه يدس فيه البضاعة التي اشتروا بها الطعام الذي في هذا الرحل ، والرحال جمع رحل وهي الأوعية التي يحمل فيه الطعام وغيره والمراد به هنا ما يستصحبه الرجل معه من الأثاث . قال الواحدي : الرحل كل شيء معد للرحيل من وعاء للمتاع ومركب للبعير ومجلس ورسن انتهى . والمراد هنا الأوعية التي يجعلون فيها ما يمتارونه من الطعام . قال ابن الأنباري : يقال للوعاء رحل وللبيت رحل ، فعل يوسف عليه السلام ذلك تفضلا عليهم ، وقيل ليستعينوا بها على الرجوع إليه سريعا لشراء الطعام ، وقيل ليرجعوا إليه مرة أخرى لعلمه أنهم لا يقبلون الطعام إلّا بثمن قاله الفراء ، وجرى عليه الجلال . وقيل إنه خاف أن لا يكون عند أبيه شيء آخر من المال لأن الزمان كان زمان قحط